سليمان بن موسى الكلاعي

36

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

ذكر مصيبة الأولين والآخرين من المسلمين بوفاة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله أجمعين ولما قفل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من حجة الوداع أقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم وصفرا ، وضرب على الناس بعثا إلى الشام ، وهو البعث الذي أمر عليه أسامة بن زيد ، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، فتجهز الناس ، وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون ، وكان آخر بعث بعثه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فبينا الناس على ذلك ابتدئ صلوات الله عليه بشكوه الذي قبضه الله فيه إلى ما أراد من رحمته وكرامته في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الأول ، فكان أول ما ابتدئ به رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فيما ذكر أنه خرج إلى بقيع الغرقد من جوف الليل ، فاستغفر لهم ، ثم رجع إلى أهله ، فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك . حدث أبو مويهبة مولى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : بعثني رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من جوف الليل فقال : « يا أبا مويهبة ، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معي » ، فانطلقت معه ، فلما وقف بين أظهرهم قال : « السلام عليكم يا أهل المقابر ، ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى » ؛ ثم أقبل على فقال : « يا أبا مويهبة ، إني قد أوتيت مفاتح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة ، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربى والجنة » ، فقلت : بأبى أنت وأمي فخذ مفاتح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة ؛ قال : « لا والله يا أبا مويهبة ، لقد اخترت لقاء ربى والجنة » . ثم استغفر لأهل البقيع ، ثم انصرف ، فبدأ به وجعه الذي قبضه الله فيه « 1 » . وقالت عائشة رضي الله عنها : رجع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من البقيع ، فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي ، وأنا أقول : وا رأساه ، فقال : « بل أنا والله يا عائشة ، وا رأساه » . قالت : ثم قال : « وما ضرك لو مت قبلي ، فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك ؟ » فقلت : والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك لرجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك ، فتبسم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه ، حتى استعز به وهو في بيت ميمونة ، فدعا نساءه فاستأذنهن في أن يمرض في بيتي ، فأذن له « 2 » .

--> ( 1 ) انظر الحديث في : مستدرك الحاكم ( 3 / 55 ، 56 ) ، دلائل النبوة للبيهقي ( 7 / 162 ، 163 ) ، سنن الدارمي ( 1 / 78 ) . ( 2 ) انظر الحديث في : صحيح البخاري ( 10 / 5666 ) ، مسند الإمام أحمد ( 6 / 228 ) .